الاثنين، 4 فبراير، 2013

سورة الفجر


تبدأ سورة الفجر بقسم الله بالفجر ؛و هو من آيات الله الدالة على كمال قدرته و أن بيده الأمر كله بحكمته و عظمته ،و صلاة الفجر صلاة معظمة فاضلة تشهدها ملائكة الليل و النهار..

"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" الإسراء (78)

و فى الحديث الشريف " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر "

الفجر.. يسبقه ليل القانتين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا ،قائمى الليل الفائزين بإجابة الله لهم وقت تنزله سبحانه فى الثلث الأخير من الليل و ينادى من يدعونى فاستجيب له ،من يستغفرنى فاغفر له ،ثم يصمت الكون و يعم خفوت الكائنات و سكوتهم فى لحظات ما قبل الفجر ليأتى آذان الفجر و قرآن الفجر مضيئا لظلمة الكون و مودعا لغياهب الليل.

و مثلما يحيط الغموض تلك الفترة الزمنية فيختفى مصدر الضوء وراء سحب الليل ،تأتى ليال عظيمة متخفية بين عدة ايام لا يعلمها إلا الله ،حتى لا تقتصر عبادة البشر على تلك الليله إن كانت معلومة بل جعلها واقعة فى مدى حتى يعم الخير و يجزل الثواب فذاك من كرم الله و حكمته.

و الليال العشر  التى أقسم الله بها إما أن تكون العشر الأخيرة من رمضان تتخفى فيها ليلة القدر المباركة أخفاها الله ليجتهد العابدون الطالبون مرضاته كل هذه الأيام ،أو تكون الأيام العشر الأولى من ذى الحجة أيام التهليل و التسبيح و التكبير و التى بها يوم عرفة يوم المغفرة حيث يندثر الشيطان و يحزن لما يرى من تنزل الرحمات على عباد الله و حجاجه ،و بها تتم مناسك الحج و العمرة و هذه أشياء معظمة مستحقة لأن يقسم الله بها.

و الليال العشر سواء كانت ليالى رمضان أو ليالى ذى الحجة كلا الحالتين نزلت فيهما سورة منفصلة بفضل الليلة التى تحتويها أو المناسك التى تشملها ، و هما سورة القدر و سورة الحج.

و الشفع و الوتر هما صلاتان نافلتان ،و الليل إذا يسر هو الليل عندما يرخى ظلامه على الدنيا و تنتهى الأعمال الدنيوية و الانشطة ليبدأ الناس مرحلة النوم أو قيام الليل.

 أقسم الله بالفجر و هو وقت و صلاة مفروضة يغفل الناس عن أدائها فى وقتها ، و بالليال العشر و هى  زمن و بها الصيام و مناسك الحج ، و بالشفع و الوتر و هما صلاة نافلة بالليل بعد العشاء ، كما أن الوتر دلاله على وحدانية الله ،و يأتى الليل بسريانه الخفى ليختم المقسوم بهم.

  يصف سيد قطب سورة الفجر فى ظلاله قائلاً:

(إنها ليست ألفاظا وعبارات . إنما هي أنسام من أنسام الفجر ، وأنداء مشعشعة بالعطر ! أم إنه النداء الأليف للقلب ؟ والهمس اللطيف للروح ؟ واللمس الموحي للضمير ؟ إنه الجمال . . الجمال الحبيب الهامس اللطيف . الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية الطليقة . لأنه الجمال الإبداعي ، المعبر في الوقت ذاته عن حقيقة)

و فى السؤال التقريرى "هل فى ذلك قسم لذى حجر" تحفيز للسامعين لكى يعملوا عقولهم لإدراك قيمة المقسوم به و معرفة ما يعظمه الله ،و اقتناص الأوقات الثمينة من اليوم أو العام لاختصاصها بالمزيد من العبادة و القرب من الله ،فربما يفوز  الانسان فيها بنفحة من نفحات الله التى لا يشقى بعدها أبدا. إن أصحاب العقول و الفطرة السليمة يعلمون أن هذه الأيام و الأوقات المباركة تكرارية تتجدد دوما ،لكن هل يستمر عمر الإنسان ليلحق بها مجددا ؟ هذا ليس مضمونا فليسرع الإنسان قبل أن ينتهى العمر و تسقط الفرصة فى التوبة و المغفرة.

و مهما علا شأن الإنسان فإنه لا شيء أمام عذاب الله الراصد و الذى يجازيهم بطغيانهم و فسادهم ،مثل عاد و ثمود و فرعون

"ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يخلق مثلها فى البلاد * و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد * و فرعون ذى الأوتاد"

فلننظر إلى تلك الأمم الغابرة...

عاد: لم يخلق الله مثلها فى البلاد و أعطاها قوة فى الخلق و البنيان

ثمود: نحتوا الصخور ليجعلوها منازل لهم تحميهم و لا تنهدم

فرعون:اتخذ من جنوده سندا و ثباتا و معينا على الباطل فهم كالأوتاد

و قد بلغوا من الكبر و الظلم ما أوجب هلاكهم ، فصب عليهم ربهم العذاب صبا كالسوط شديد الإيلام. فالله يمهل العاصى قليلا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

لكن هل ابتلاء الإنسان بالمصائب دائما عقوبة له تسلمه لليأس و الحزن و الإحساس بالخزى؟ الإجابة توضحها الآيات التالية:

"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربى أكرمن * و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن"

يخبر الله عن طبيعة الإنسان بأنه جاهل ظالم لا علم له بالعواقب ،يظن أن الحالة تستمر لا تزول و ان النعيم مقيم لا يتبدل ،لكن الأيام دول يداولها الله بين الناس ،لكن الإنسان يرى أن إكرام الله فى الدنيا و إنعامه عليه يدل على كرامته عنده و قربه منه ، أما إذا ضيق عليه رزقه (و الرزق يشمل كل النعم)،  فيظن أن هذا إهانة من الله و غضب عليه و ربما أسلمه ذلك للسخط على قدر الله و استقلال نعمته و تحقير ما فى يده.

و يرد الله على تلك الظنون بقوله "كلا" ليس كل منعم فى الدنيا كريما عند الله ،و ليس كل فقير مقدر عليه رزقه مهانا عنده ،كما فى الحديث الشريف "رب أشعث أغبر لو اقسم على الله لأبره" 

 إنما الضيق و السعة ابتلاء من الله ليرى من يقوم بالشكر و الصبر، إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي، أما من يسخط و ينقلب على وجهه فقد خسر الدنيا و الآخرة، و لن ينال سوى الضيق و العذاب، و لن يغير من قدره شيئا.

"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" العنكبوت (3)

كذلك من أسباب ضيق الرزق و قلته بخل الإنسان على الفقير و عدم اعطائه حقه المفروض ،فتزول النعم و يذوق الحرمان بعد العطاء.

و من جمال اختيار الكلمات فى القرآن "لا تكرمون اليتيم" فاليتيم انسان حساس ضعيف مهيض الجناح  فاقد للحنان مجروح يحتاج للإكرام النفسى و الكلمة الطيبة قبل العطاء المادى حتى لا يكون مكسور النفس حزين القلب.

و الخطأ الآخر الذى يقترفه بعض الناس  و يستوجب اقتار الرزق هو عدم الحث على إطعام المساكين و اغفال حقهم فى الحياة الكريمة، و كذلك أكل حق اليتيم و المرأة فى الميراث ،

 لاحظ العلاقة بين اكل التراث باليتيم فربما دفع الطمع ذوى النفوس الضعيفة إلى الاستيلاء على مال اليتيم فى الميراث اعتمادا على أنه طفل لن يجد من يرعى حقه أو يدافع عنه ،و منبع هذه الشرور حب المال حبا كثيرا ، وعبد الدينار و الدرهم إنسان تعس ضعيف الإيمان لا يثق فيما عند الله من الرزق و لا يوجه ماله إلى حيث أمره ربه، و لا ينفق من المال الذى جعله الله قيما عليه و حارسا.

كل تلك الأفعال القبيحة سوف يتذكرها الإنسان يوم الحساب حيث لا تنفع الذكرى، و "يا ليت" لا تعيد الزمن و لا تمنح الفرصة مرة أخرى..

و دك الأرض يرتبط بمن اتخذوا من الجبال بيوتا كما سبق ذكره فى قوم عاد الذين عاقبهم الله بصب العذاب عليهم و انهيار حصونهم من دون الله و عدم سكنى مساكنهم بعد ذلك.

إن السامع يكاد يسمع صوت دك الأرض فى "دكا دكا" و وقع اقدام الملائكة فى الصفوف "صفا صفا" فى موقف رهيب ينتهى بإحضار جهنم و لحظات الحساب. ،إن يوم القيامة يوم مهول شديد تدك فيه الأرض و تسير الجبال و يخرج الناس من القبور و يأتى الله و الملائكة الكرام ،كل شيء منظم و خاضع للملك الجبار فى مشهد مهيب مشهود ، فيقضى الله بينهم بالحق.

عندما يؤتى بجنهم يرونها عين اليقين فلا يملكون إنكارها أو الفرار منها ،و تأتى لحظة الحساب و السؤال و المجازاة بالأعمال بالحق و العدل ،و لن يكون من العذاب مفر و لا ينفع الهروب لأن الظالم مربوط موثوق لا يماثله أحد فى أسره و لا يشابهه أحد فى عذابه ،هذا هو الهوان الحق و هذا هو العقاب الأشد الذى لا تنجو منه سوى النفوس المطمئنة التى عادت إلى ربها يحيطها الرضا و السكون فى وصف بالغ الرقة و الشفافية ، و قد أمرها الله بالدخول فى زمرة عباده المخلصين و الدخول للجنة و هذا هو قمة السعادة و الفلاح.

" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر"

و خطاب الله للنفس المطمئنة يخاطب بها الروح يوم القيامة و يخاطبها به وقت الموت بنداء القريب "يأيتها" فى عطف و تكريم ،فى وسط الشد و الوثاق ،تترك الروح الأرض و التعب لترجع إلى ربها الذى تحبه و ترجو لقائه لتدخل فى رحمته و أمانه و كنفه فهى مطمئنة لا ترتاع يوم الهول و الفزع "وهم من فزع يومئذ آمنون"  تعرف طريقها إلى الله كما عرفته فى الدنيا. إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية تتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية. و الحمد لله فى الأولى و الآخرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق